الشنقيطي

355

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حقه صلّى اللّه عليه وسلّم بآية إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 47 ) [ الإسراء : 47 ] - مردود كما سنوضحه إن شاء اللّه في آخر هذا البحث . قال ابن حجر في الفتح : قال المازري : أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث ، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها . قالوا : وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل . وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع ، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه شيء . قال المازري : هذا كله مردود ؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يبلغه عن اللّه تعالى ، وعلى عصمته في التبليغ . والمعجزات شاهدات بتصديقه ؛ فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل . وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ، ولا كانت الرسالة من أجلها ، فهو في ذلك عرضة لما يعتري البشر كالأمراض . فغير بعيد أن يخيل اللّه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين . قال : وقد قال بعض الناس : إن المراد بالحديث : أنه كان صلّى اللّه عليه وسلّم يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطئهن وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام ؛ فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة . قلت : وهذا قد ورد صريحا في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا ، ولفظه : « حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن » وفي رواية الحميدي « أنه يأتي أهله ولا يأتيهم » قال الداودي : « يرى » بضم أوله أي يظن . وقال ابن التين : ضبطت « يرى » بفتح أوله . قلت : وهو من الرأي لا من الرؤية فيرجع إلى معنى الظن . وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق : سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن عائشة ، حتى أنكر بصره . وعنده في مرسل سعيد بن المسيب : حتى كاد ينكر بصره . قال عياض فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه ، لا على تمييزه ومعتقده . قلت : ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد : فقالت أخت لبيد بن الأعصم : إن يكن نبينا فسيخبر ، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله : قلت : فوقع الشق الأول كما في هذا الحديث الصحيح . وقد قال بعض العلماء : لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك ، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت . فلا يبقى على هذا للملحد حجة . وقال عياض : يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء ، فإذا دنا من المرأة فتر من ذلك كما هو شأن المعقود : ويكون قوله في الرواية الأخرى « حتى كاد ينكر بصره » أي صار كالذي أنكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته ؛ فإذا تأمله عرف حقيقته . ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به . وقال المهلب : صون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده ، فقد مضى في